بسم الله الرحمن الرّحيم
إضاءات من السيرة النبوية في السياسة و الحكم*(الحلقة 12)
مصطفى عبدالله ونيسي / باريس
إضاءات من السيرة النبوية في السياسة و الحكم*(الحلقة 12)
مصطفى عبدالله ونيسي / باريس
محمد بن عبدالله صلى الله عليه و سلم المؤسس الأول للدولة الإسلامية:
الحلقة الثانية عشر : الدولة الإسلامية و الشرعية الدّولية:
إثر وصول النبيّ (ص) و صحبه الكرام إلى المدينة ، شرع فورا في بناء مسجده، كما تقدم ، و كرّس مبدأ الأخوة ، واقعا حيّا و حقيقيا بين المهاجرين و الأنصار ، و نظّم مسألة التعايش السلمي بين مُختلف مُكوّنات المجتمع في المدينة عن طريق الوثيقة الخالدة التي كانت عبارة عن نظام ثابت حدّد العلاقات و رَسَم الحقوق و الواجبات بين سكّان الإقليم الإسلامي الواحد، مسلمين و غير مسلمين . فاليهود مثلا كانوا يقيمون في "المدينة" منذ زمن بعيد ، و كانوا يقتسمون الزّعامة مع الأوس و الخزرج الذين آمنوا فيما بعد باللّه و رسوله (ص) ، في حين بقي اليهود على دينهم و لم يُجبرهم الرّسول على اعتناق الإسلام ، إذ لا إكراه في الدّين، ومن ثَمّ كان لا بُدّ من تحديد وضعهم في الدولة الناشئة الجديدة بنصوص صريحة تقنن وحدة الأمة و استقلالها و سيّادتها من ناحية ، و يُرجع إليها عند الضرورة و الاختلاف من ناحية ثانية.
كانت هذه الأسس الثلاثة المتقدمة الذِكر هي الأسس التي قامت عليها الدولة في المدينة ، و كان في قيامها فتح جديد في الحياة السياسية ،إذ قررت حرية الاعتقاد و الرّأي ، و حُرمة "المدينة"، و حُرمة الحياة، و حُرمة المال ، وحددت أعداء الدولة في صراحة و وضوح ، فمنعت إجارة "قريش" وإجارة كُل من نصرها و تعاون معها ضدّ دولة المدينة . و كان النبيّ الكريم (ص) هو أوّل رئيس لهذه الدّولة كما نصت على ذلك المعاهدة. استكمل النبيّ، إذا ، عن طريق هذه الأسس الثلاث كل مستلزمات البناء القانوني للدولة، والذي يقوم على أركان ثلاثة: الأمة و السيّادة ،و خاصة منها الدّاخلية في هذه المرحلة ، ثمّ الإقليم .
فالنبيّ (ص) بعد أن تمّ له علاج الأوضاع الذاتية، و اطمأنّ إلى سلامة الجبهة الدّاخلية ، بدأ تفكيره يتجه إلى البحث ‘عن آفاق أوسع و أرحب تتجاوز دائرة الجبهة الدّاخلية . فالإعلان الرّسمي عن قيام " دولة الإسلام" في حدِّ ذاته كان خُطوة ضرورية عن طريق فرض الاعتراف الرّسمي بهذه الدولة الناشئة على النطاق الدّولي، و هذا ما تعارفت عليه الدّول قديما و حديثا، و لكنّ هذه الخطوة و حدها لم تكن كافية لفرض سيادة الدولة الإسلامية و هيبتها على المستوى الدّولي . و الدّولة ، أيُ دولة، عند قيامها لا بُدّ َ لها من حلفاء حتى لا يحاصرها الأعداء و يعزلونها. و كذا الدّولة الإسلامية تحتاج إلى حلفاء يعترفون بمنهاجها ، كليّا أو جزئيا، في السياسة و الحكم ، فيُسارعون للإعلان عن اعترافهم الرّسمي بها، و يقيمون العلاقات السياسية و الاقتصادية و الثقافية معها ، و ذلك لأن الدولة ، مهما بلغت ثرواتها و إمكاناتها ، لا يمكن أن تعيش بِمُفردها معزولة عن بقية دول العالم و شعوبه. (1) فالوضع السياسي على المستوى الدّولي في الوقت الذي أسس فيه النبي صلى اللّه عليه و سلم أول دولة إسلامية عرفتها البشرية كان على غاية من التداخل و التعقيد ......
والدولتان الكبيرتان اللّتان تتحكمان في العالم في ذلك الوقت كانتا الإمبراطورية الفارسية من ناحية و الإمبراطورية الرّومانية من ناحية ثانية ، وكان الصراع بينهما على أ َشُّدِهِ ،فالعالم كله تقريبا كان يخضع لنفوذ إحدى هاتين القوتين الكبيرتين بما في ذلك جزيرة العرب بدون شك. فجنوب الجزيرة وشرقها، و سكانها ( المناذرة) كانوا تحت حكم الفرس وسيطرتهم.أمّا عرب الشمال ( الغساسنة) فكانوا تحت نفوذ الرّوم وحكمهم. وشاءت الأقدار الإلهية أن لا يبق خارج نطاق التبعية الرّسمية للقوى الخارجية من عرب الجزيرة غير دولة قريش ، و الأوس و الخزرج ، و بعض القبائل المتناثرة وسط الصحراء التي تدين بالولاء غير الرسمي لأمراء " المناذرة" أو" الغساسنة".
وفي هذا الخضّم من سيطرة قُوى الهيمنة على الأمم الضعيفة ، نشأت دولة الإسلام و ليس لها صديق واحد بالمعنى السياسي ، لا داخل إقليمها الصغير (المدينة) و لا حولها (جزيرة العرب)و لا خارج الجزيرة ( الفرس و الرّوم ) . و كان ذلك تحديا لقوى الهيمنة و تهديدا حقيقيا لموازين القوى السائد آنذاك في العالم . هذا بالإضافة إلى أنّ الدّولة الناشئة كانت نمطا جديدا في عقائده وسياساته و أولوياته، بل إنّها كانت ثورة ثقافية وفكرية عارمة بكل المقاييس على تلك القوى الجاهلية الاستبدادية المعتدية و الظالمة . ولأنّ القواسم المشتركة بين هذه الدولة الإسلامية الجديدة و تلك الأنظمة الفاسدة قد انعدمت ، تربصت تلك القوى بهذا النّظام الجديد الصاعد لتقضي عليه في أوّل فرصة تتوفر لها . و حتّى يُفوِّتَ الرّسول صلى اللّه عليه و سلم على هذه القوى المعادية ضرب الدولة الإسلامية سواء من الدّاخل أو من الخارج شرّع القتال و شجع عليه دفاعا عن النفس و حماية للدعوة و الدّولة من الاعتداء. وفي هذا الإطار شُرِع القتال،فكيف شُرعَ ولماذا؟
مصطفى عبدالله ونيسي / باريس
ounissimustapha@hotmail.fr
*هو عنوان بديل لمجموعة المقالات التي شرعنا في تأليفها على امتداد شهري جوان و جويلية سنة 2007والتي وصل عددها إلى إحدى عشر حلقة .
الحلقة الثانية عشر : الدولة الإسلامية و الشرعية الدّولية:
إثر وصول النبيّ (ص) و صحبه الكرام إلى المدينة ، شرع فورا في بناء مسجده، كما تقدم ، و كرّس مبدأ الأخوة ، واقعا حيّا و حقيقيا بين المهاجرين و الأنصار ، و نظّم مسألة التعايش السلمي بين مُختلف مُكوّنات المجتمع في المدينة عن طريق الوثيقة الخالدة التي كانت عبارة عن نظام ثابت حدّد العلاقات و رَسَم الحقوق و الواجبات بين سكّان الإقليم الإسلامي الواحد، مسلمين و غير مسلمين . فاليهود مثلا كانوا يقيمون في "المدينة" منذ زمن بعيد ، و كانوا يقتسمون الزّعامة مع الأوس و الخزرج الذين آمنوا فيما بعد باللّه و رسوله (ص) ، في حين بقي اليهود على دينهم و لم يُجبرهم الرّسول على اعتناق الإسلام ، إذ لا إكراه في الدّين، ومن ثَمّ كان لا بُدّ من تحديد وضعهم في الدولة الناشئة الجديدة بنصوص صريحة تقنن وحدة الأمة و استقلالها و سيّادتها من ناحية ، و يُرجع إليها عند الضرورة و الاختلاف من ناحية ثانية.
كانت هذه الأسس الثلاثة المتقدمة الذِكر هي الأسس التي قامت عليها الدولة في المدينة ، و كان في قيامها فتح جديد في الحياة السياسية ،إذ قررت حرية الاعتقاد و الرّأي ، و حُرمة "المدينة"، و حُرمة الحياة، و حُرمة المال ، وحددت أعداء الدولة في صراحة و وضوح ، فمنعت إجارة "قريش" وإجارة كُل من نصرها و تعاون معها ضدّ دولة المدينة . و كان النبيّ الكريم (ص) هو أوّل رئيس لهذه الدّولة كما نصت على ذلك المعاهدة. استكمل النبيّ، إذا ، عن طريق هذه الأسس الثلاث كل مستلزمات البناء القانوني للدولة، والذي يقوم على أركان ثلاثة: الأمة و السيّادة ،و خاصة منها الدّاخلية في هذه المرحلة ، ثمّ الإقليم .
فالنبيّ (ص) بعد أن تمّ له علاج الأوضاع الذاتية، و اطمأنّ إلى سلامة الجبهة الدّاخلية ، بدأ تفكيره يتجه إلى البحث ‘عن آفاق أوسع و أرحب تتجاوز دائرة الجبهة الدّاخلية . فالإعلان الرّسمي عن قيام " دولة الإسلام" في حدِّ ذاته كان خُطوة ضرورية عن طريق فرض الاعتراف الرّسمي بهذه الدولة الناشئة على النطاق الدّولي، و هذا ما تعارفت عليه الدّول قديما و حديثا، و لكنّ هذه الخطوة و حدها لم تكن كافية لفرض سيادة الدولة الإسلامية و هيبتها على المستوى الدّولي . و الدّولة ، أيُ دولة، عند قيامها لا بُدّ َ لها من حلفاء حتى لا يحاصرها الأعداء و يعزلونها. و كذا الدّولة الإسلامية تحتاج إلى حلفاء يعترفون بمنهاجها ، كليّا أو جزئيا، في السياسة و الحكم ، فيُسارعون للإعلان عن اعترافهم الرّسمي بها، و يقيمون العلاقات السياسية و الاقتصادية و الثقافية معها ، و ذلك لأن الدولة ، مهما بلغت ثرواتها و إمكاناتها ، لا يمكن أن تعيش بِمُفردها معزولة عن بقية دول العالم و شعوبه. (1) فالوضع السياسي على المستوى الدّولي في الوقت الذي أسس فيه النبي صلى اللّه عليه و سلم أول دولة إسلامية عرفتها البشرية كان على غاية من التداخل و التعقيد ......
والدولتان الكبيرتان اللّتان تتحكمان في العالم في ذلك الوقت كانتا الإمبراطورية الفارسية من ناحية و الإمبراطورية الرّومانية من ناحية ثانية ، وكان الصراع بينهما على أ َشُّدِهِ ،فالعالم كله تقريبا كان يخضع لنفوذ إحدى هاتين القوتين الكبيرتين بما في ذلك جزيرة العرب بدون شك. فجنوب الجزيرة وشرقها، و سكانها ( المناذرة) كانوا تحت حكم الفرس وسيطرتهم.أمّا عرب الشمال ( الغساسنة) فكانوا تحت نفوذ الرّوم وحكمهم. وشاءت الأقدار الإلهية أن لا يبق خارج نطاق التبعية الرّسمية للقوى الخارجية من عرب الجزيرة غير دولة قريش ، و الأوس و الخزرج ، و بعض القبائل المتناثرة وسط الصحراء التي تدين بالولاء غير الرسمي لأمراء " المناذرة" أو" الغساسنة".
وفي هذا الخضّم من سيطرة قُوى الهيمنة على الأمم الضعيفة ، نشأت دولة الإسلام و ليس لها صديق واحد بالمعنى السياسي ، لا داخل إقليمها الصغير (المدينة) و لا حولها (جزيرة العرب)و لا خارج الجزيرة ( الفرس و الرّوم ) . و كان ذلك تحديا لقوى الهيمنة و تهديدا حقيقيا لموازين القوى السائد آنذاك في العالم . هذا بالإضافة إلى أنّ الدّولة الناشئة كانت نمطا جديدا في عقائده وسياساته و أولوياته، بل إنّها كانت ثورة ثقافية وفكرية عارمة بكل المقاييس على تلك القوى الجاهلية الاستبدادية المعتدية و الظالمة . ولأنّ القواسم المشتركة بين هذه الدولة الإسلامية الجديدة و تلك الأنظمة الفاسدة قد انعدمت ، تربصت تلك القوى بهذا النّظام الجديد الصاعد لتقضي عليه في أوّل فرصة تتوفر لها . و حتّى يُفوِّتَ الرّسول صلى اللّه عليه و سلم على هذه القوى المعادية ضرب الدولة الإسلامية سواء من الدّاخل أو من الخارج شرّع القتال و شجع عليه دفاعا عن النفس و حماية للدعوة و الدّولة من الاعتداء. وفي هذا الإطار شُرِع القتال،فكيف شُرعَ ولماذا؟
مصطفى عبدالله ونيسي / باريس
ounissimustapha@hotmail.fr
*هو عنوان بديل لمجموعة المقالات التي شرعنا في تأليفها على امتداد شهري جوان و جويلية سنة 2007والتي وصل عددها إلى إحدى عشر حلقة .
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire